دراسة حالة: دور التدريب في نجاح انتقال القيادة في الشركات العائلية الخليجية
تُشكّل الشركات العائلية العمود الفقري للاقتصادات الخليجية، إذ تُسهم بما يزيد عن ستين بالمئة من الناتج المحلي غير النفطي في عدد من دول المنطقة. غير أن هذه الشركات تواجه تحديًا وجوديًا يتكرر مع كل جيل: انتقال القيادة من المؤسسين إلى الأبناء أو الجيل الثالث. وتُشير الإحصاءات الدولية إلى أن نحو ثلاثين بالمئة فقط من الشركات العائلية تنجح في تجاوز مرحلة الانتقال إلى الجيل الثاني، وتنخفض النسبة إلى أقل من خمسة عشر بالمئة عند الجيل الثالث. في هذا السياق، يبرز التدريب التنفيذي بوصفه أداةً استراتيجيةً قادرةً على تغيير هذه المعادلة جذريًا.
لماذا يُعدّ انتقال القيادة في الشركات العائلية الخليجية تحديًا فريدًا؟
يختلف سياق الشركات العائلية في الخليج عن نظيراتها في الغرب بعدة أبعاد جوهرية. فالعلاقات الأسرية تتشابك مع القرارات التجارية، والموروث الثقافي يفرض احترامًا عميقًا لرؤية المؤسس، وهو ما قد يُعيق أحيانًا قدرة الجيل الجديد على الابتكار والتجديد. كما أن التحولات المتسارعة في المنطقة — من رؤية السعودية 2030 إلى التنويع الاقتصادي في الإمارات والبحرين — تفرض على القادة الجدد امتلاك عقلية استراتيجية مرنة تتجاوز مجرد الحفاظ على ما بناه الآباء.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرًا من أبناء المؤسسين يعودون من الدراسة في الخارج بأفكار حديثة ورؤى مختلفة، لكنهم يصطدمون بثقافة مؤسسية راسخة وفريق إداري اعتاد أسلوبًا معينًا في العمل. هذا التوتر بين القديم والجديد يحتاج إلى وساطة مهنية محايدة، وهنا يتدخل المدرب التنفيذي.
حالة عملية: مجموعة تجارية في الخليج
لنتأمل حالة افتراضية مستوحاة من واقع السوق الخليجي: مجموعة تجارية تعمل في قطاعات التجزئة والعقارات أسسها رجل أعمال قبل أربعين عامًا، وقرر تسليم الإدارة لابنته التي تحمل ماجستير إدارة الأعمال من جامعة أمريكية مرموقة. رغم كفاءتها الأكاديمية، واجهت تحديات متعددة:
- مقاومة صامتة من مديرين تنفيذيين عملوا مع والدها لعقود
- صعوبة في فرض رؤيتها التحديثية دون الإضرار بالعلاقات الأسرية
- ضغوط نفسية ناجمة عن الخوف من الفشل أمام توقعات العائلة والمجتمع
- غياب إطار واضح للحوكمة يفصل بين الملكية العائلية والإدارة المهنية
كيف أحدث التدريب التنفيذي الفارق؟
استعانت المجموعة بمدرب تنفيذي متخصص في الشركات العائلية، واستمرت رحلة التدريب ثمانية عشر شهرًا مرّت بمراحل محورية:
في المرحلة الأولى، عمل المدرب على مساعدة القائدة الجديدة في تحديد أهداف واقعية وقابلة للقياس بدلًا من الأهداف الطموحة المفرطة التي كانت تضعها. فكثير من القادة — خاصةً حين يرتبط نجاحهم الشخصي بنجاح المؤسسة — يميلون إلى وضع أهداف مبالغ فيها تنتهي بالإحباط. اعتمد المدرب على منهجية تقوم على تحويل التطلعات الكبرى إلى محطات صغيرة محددة زمنيًا وقابلة للتحقق، مما منح القائدة شعورًا بالإنجاز التدريجي.
في المرحلة الثانية، ركّز المدرب على تطوير المهارات القيادية الناعمة: الإنصات الفعّال، وإدارة الحوارات الصعبة مع كبار المديرين، وبناء الثقة من خلال الحضور القيادي لا من خلال السلطة الموروثة. وهذا يختلف جوهريًا عن الاستشارات التقليدية التي تقدم حلولًا جاهزة، إذ إن المدرب يقود العميل لاكتشاف حلوله بنفسه، مما يعزز الثقة الداخلية والاستقلالية في اتخاذ القرار.
في المرحلة الثالثة، لعب المدرب دور شريك المساءلة، وهو الدور الأكثر أهمية وغالبًا الأقل تقديرًا. فقد التزمت القائدة بتقديم تقارير دورية عن تقدمها، مما خلق انضباطًا ذاتيًا كان غائبًا في ظل غياب مجلس إدارة مستقل.
الانتقال الناجح للقيادة لا يتحقق بمجرد تسليم المنصب، بل يتطلب بناء منظومة متكاملة من الكفاءات والثقة والحوكمة، وهذا بالضبط ما يوفره التدريب التنفيذي المتخصص.
دروس مستفادة للشركات العائلية الخليجية
يمكن استخلاص عدة دروس جوهرية من هذه التجربة وما يماثلها في المنطقة:
- ابدأ مبكرًا: يجب أن يبدأ التدريب قبل الانتقال الفعلي بسنتين على الأقل، لا بعد وقوع الأزمات
- اختر المدرب بعناية: ليس كل مدرب تنفيذي مؤهلًا للتعامل مع ديناميكيات الشركات العائلية. تحقق من خبراته السابقة مع شركات مماثلة، واطلب شهادات من عملاء سابقين استفادوا فعليًا من خدماته
- اضمن التوافق الثقافي: المدرب الذي يفهم السياق الخليجي والحساسيات الأسرية سيكون أكثر فاعلية بمراحل من خبير دولي لا يدرك هذه الخصوصيات
- ادمج التدريب مع الحوكمة: التدريب وحده لا يكفي، بل يجب أن يترافق مع بناء هياكل حوكمة واضحة تفصل بين الأسرة والإدارة
الاستثمار في التدريب: ترف أم ضرورة؟
في منطقة تشهد تحولات اقتصادية غير مسبوقة وتتسارع فيها وتيرة المنافسة والتطور التقني، لم يعد التدريب التنفيذي ترفًا يُضاف إلى ميزانية التطوير، بل أصبح استثمارًا استراتيجيًا في استمرارية المؤسسة. فالشركات العائلية التي تُخفق في إدارة انتقال القيادة لا تخسر فقط حصتها السوقية، بل تخسر إرثًا بناه المؤسسون بعرقهم وجهدهم على مدى عقود.
إن الاستعانة بمدرب تنفيذي متمرس قد تكون القرار الأكثر تأثيرًا الذي تتخذه شركة عائلية خليجية لضمان أن تبقى قصة نجاحها ممتدة عبر الأجيال، لا مجرد فصل واحد ينتهي برحيل مؤسسها.
المصدر: entrepreneur.com